عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
309
اللباب في علوم الكتاب
أحدهما : أنها الجملة الأولى كرّرت تأكيدا قاله الزمخشري . وقال الواحدي « 1 » - رحمه اللّه - إنما كرّر ذلك تأكيدا للكلام ، وتكذيبا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء من اللّه ، ولا قدر . الثاني : أنها ليست لتأكيد الأولى ، بل أفادت فائدة جديدة ، والمغايرة حصلت بتغاير متعلّقهما ، فإنّ متعلّق الأولى مغاير لمتعلّق المشيئة الثانية ، والتقدير في الأولى : ولو شاء اللّه أن يحول بينهم وبين القتال بأن يسلبهم القوى والعقول ، وفي الثانية : ولو شاء لم يأمر المؤمنين بالقتال ، ولكن شاء أمرهم بذلك . قوله : « وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ » من اختلافهم ، فيوفق من يشاء ، ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله ، وهذه الآية دالّة على أنّه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين ، والخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن . ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد ، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو اللّه تعالى ، ولما دلّت على أنه يفعل ما يريد ، فلو كان يريد الإيمان من الكفّار لفعل فيهم الإيمان ، ولكانوا مؤمنين ، ولما لم يكن كذلك ، دلّ على أنّه تعالى لا يريد الإيمان منهم فدلّت الآية على مسألة خلق الأعمال وعلى مسألة إرادة الكائنات . وقالت المعتزلة « 2 » : يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه ، وهذا ضعيف لوجهين : أحدهما : أنه تقييد للمطلق . والثاني : أنّه على هذا التّقييد تصير الآية من باب إيضاح الواضحات ؛ لأنه يصير معنى الآية : أنّه يفعل ما يفعله . سأل رجل عليّ بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - قال : يا أمير المؤمنين ؛ أخبرني عن القدر ! فقال : طريق مظلم فلا تسلكه . فأعاد السّؤال فقال : بحر عميق لا تلجه ، فأعاد السّؤال ، فقال : « سرّ اللّه في الأرض ، قد خفي عليك ، فلا تفتشه » « 3 » . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 254 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) اعلم أنه تعالى لما أمر بالقتال بقوله : « وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » أعقبه بالحض على النفقة في الجهاد فقال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [ البقرة : 245 ] والمقصود منه الإنفاق في الجهاد ، ثمّ إنّه أكد الأمر بالقتال بذكر قصّة طالوت ، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد في هذه الآية الكريمة .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 173 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 174 . ( 3 ) ذكره البغوي في « تفسيره » ( 1 / 237 ) .